أبو الحسن الشعراني

58

المدخل إلى عذب المنهل في أصول الفقه

المكروه ، والتخيير عدم الطلب ، فيختص بالمباح . وعلى كل حال فالحكم نوع من الخطاب ، وهو نوع من الكلام . فالحكم هنا غير الحكم في اصطلاح أهل المنطق ، لأن الحكم في اصطلاح المنطق هو النسبة بين المحكوم عليه والمحكوم به في القضية الخبرية ، والحكم عند الأصوليين خطاب إنشائي . فالصلاة الواجبة ليس بحكم ، وإنما الحكم « أقيموا الصلاة » إلا أن يأول الإخبار بحيث يكون مفاده الإنشاء . الشرعي هو المنسوب إلى الشرع ، وفي اصطلاح الفقهاء والأصوليين هو ما لا يكون إلا بتصرف الشارع وجعله ، سواء كان حكما تكليفيا أو وضعيا أو غير حكم ، كاختراع ماهية الصلاة والوضوء والغسل ، أو كوضع ألفاظ لهذه الماهيات على ما يتبين في الحقيقة الشرعية إن شاء اللّه تعالى ، أو كجعل الشئ علامة تعبدية كنبات شعر العانة على البلوغ ، وزوال الحمرة على الغروب ، أو تحديد الموضوعات العرفية كتحديد أول اليوم بالفجر ، والمسافر بمن يضرب في الأرض ثمانية فراسخ ، وتحديد الجماع بغيبوبة الحشفة ، فإن هذه أمور لا يتحقق إلا بتصرف الشارع . وأما نفس المعاني التي كانت متداولة قبل الشرع كالملك والحرية والرقية فهي ليست بشرعية . وليس كل ما يتوقف على جعل الشارع حكما وإن صدق عليه أنه شرعي . ويخرج عن الحكم خطاب اللّه الغير المتعلق بفعل المكلف مثل : ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ « 1 » ، وكذلك يخرج منه خطابه المتعلق بفعل المكلف لا من حيث الاقتضاء والتخيير مثل : وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا

--> ( 1 ) - سورة البقرة ، الآية : 2 .